فخر الدين الرازي

19

تفسير الرازي

الحجة الثالثة : أن جميع رخص السفر شرعت على سبيل التجويز ، لا على سبيل التعيين جزماً فكذا ههنا ، واحتجوا بالأحاديث منها ما روى عمر أنه صلى الله عليه وسلم قال فيه " سدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " فظاهر الأمر للوجوب ، وعن أبي عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافراً صلّى ركعتين . والجواب : أن هذه الأحاديث تدل على كون القصر مشروعاً جائزاً ، إلا أن الكلام في أنه هل يجوز غيره ؟ ولما دل لفظ القرآن على جواز غيره كان القول به أولى ، والله أعلم . المسألة الرابعة : قال بعضهم : صلاة السفر ركعتان ، تمام غير قصر ، ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أقرت صلاة السفر ، وزيد في صلاة الحضر . وأعلم أن لفظ الآية يبطل هذا ، وذلك لأنا بينا أن المراد من القصر المذكور في الآية تخفيف الركعات ، ولو كان الأمر ما ذكروه لما كان هذا قصراً في صلاة السفر ، بل كان ذلك زيادة في صلاة الحضر ، والله أعلم . المسألة الخامسة : زعم داود وأهل الظاهر أن قليل السفر وكثيره سواء في جواز الرخصة وزعم جمهور الفقهاء أن السفر ما لم يقدر بمقدار مخصوص لم يحصل فيه الرخصة . احتج أهل الظاهر بالآية فقالوا : إن قوله تعالى : * ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) * جملة مركبة من شرط ، وجزاء الشرط هو الضرب في الأرض ، والجزاء هو جواز القصر ، وإذا حصل الشرط وجب أن يترتب عليه الجزاء سواء كان الشرط الذي هو السفر طويلاً أو قصيراً ، أقصى ما في الباب أن يقال : فهذا يقتضي حصول الرخصة عند انتقال الإنسان من محلة إلى محلة ، ومن دار إلى دار ، إلا أنا نقول : الجواب عنه من وجهين : الأول : أن الانتقال من محلة إلى محلة إن لم يسم بأنه ضرب في الأرض ، فقد زال الاشكال ، وإن سمي بذلك فنقول : أجمع المسلمون على أنه غير معتبر ، فهذا تخصيص تطرق إلى هذا النص بدلالة الإجماع ، والعام بعد التخصيص حجة ، فوجب أن يبقى النص معتبراً في السفر ، سواء كان قليلاً أو كثيراً . والثاني : أن قوله : * ( وإذا ضربتم في الأرض ) * يدل على أنه تعالى جعل الضرب في الأرض شرطاً لحصول هذه الرخصة ، فلو كان الضرب في الأرض اسماً لمطلق الانتقال لكان ذلك حاصلاً دائماً ، لأن الإنسان لا ينفك طول عمره من الانتقال من الدار إلى المسجد ، ومن المسجد إلى السوق ، وإذا كان حاصلاً دائماً امتنع جعله شرطاً لثبوت هذا الحكم ، فلما جعل الله الضرب في الأرض شرطاً لثبوت هذا الحكم علمنا أنه مغاير لمطلق الانتقال